محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلى الله عليه وسلم بتلاوته على من أمر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك ، فمصيب . وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري : " وأن " . بفتح الألف من " أن " ، وتخفيف النون منها ، بمعنى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ، وأن هذا صراطي فخففها ؛ إذ كانت " أن " في قوله : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً مخففة ، وكانت " أن " في قوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي معطوفة عليها ، فجعلها نظيرة ما عطفت عليه . وذلك وإن كان مذهبا ، فلا أحب القراءة به لشذوذها عن قراءة قراء الأمصار وخلاف ما هم عليه في أمصارهم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يعني جل ثناؤه بقوله : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ثم قل بعد ذلك يا محمد : آتى ربك موسى الكتاب . فترك ذكر " قل " ، إذ كان قد تقدم في أول القصة ما يدل على أنه مراد فيها ، وذلك قوله : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ فقص ما حرم عليهم وأحل ، ثم قال : ثم قل : أتينا موسى ، فحذف " قل " لدلالة قوله : " قل " عليه ، وأنه مراد في الكلام . وإنما قلنا ذلك مراد في الكلام ، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا شك أنه بعث بعد موسى بدهر طويل وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه ، ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدا بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه ، و " ثم " في كلام العرب حرف يدل على أنه ما بعده من الكلام والخبر بعد الذي قبلها . ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ فقال بعضهم : معناه : تماما على المحسنين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ قال : على المؤمنين حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد : تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ المؤمنين والمحسنين وكأن مجاهد ا وجه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده . فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ فيوحد " الذي " ، والتأويل على الذين أحسنوا ؟ قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في الذي وفي الألف واللام إذا أرادت به الكل والجميع ، كما قال جل ثناؤه : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وكما قالوا : أكثر الذي هم فيه في أيدي الناس . وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك : " تماما على الذين أحسنوا " وذلك من قراءته كذلك يؤيد قول مجاهد . وإذا كان المعنى كذلك ، كان قوله : " أحسن " فعلا ماضيا ، فيكون نصبه لذلك . وقد يجوز أن يكون " أحسن " في موضع خفض ، غير أنه نصب ، إذ كان " أفعل " ، و " أفعل " لا يجري في كلامها . فإن قيل : فبأي شيء خفض ؟ قيل : ردا على " الذي " إذ لم يظهر له ما يرفعه . فيكون تأويل الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي هو أحسن ، ثم حذف " هو " ، وجاور " أحسن " " الذي " ، فعرف بتعريفه ، إذ كان كالمعرفة من أجل أن الألف واللام لا يدخلانه ، " والذي " مثله ، كما تقول العرب : مررت بالذي خير منك وشر منك ، وكما قال الراجز :